"جارنا يا بو علي...سن السيف واستعجلي
عابد والو قنبرة...كل الليل وهو يطحن معي"
سرعان ما ارتسمت تلكَ الابتسامة المدركة للأمور على مُحيّاها, ورغمَ تقطعِ القراءة الا أنها أبدت شغفا واضحا لمعرفة كل ما فاتها وكل ما يأتيها من كلمات الحكاية....تلك الحكاية التي اعتادت هي أن ترويها له... الا أنها لم تختبئ أبدا وراء كتاب للتراث جمعه باحثٌ ما... فتلكَ الحكاية كانت ملكا لها... كٌل تفصيل فيها يحاكي ركنا كان مألوفا لها.... ورغمَ أن التسارع الزمني المريض قد محا معظم مركبات الأسطورة من ثنايا عقلها... الا أن ذلك الطعمَ الذي كان يستفز حواشي فمها عقب كل مرة روتها أو سمعتها فيها...ما لبث أن انبرى عندما سمعت كلمات أغنية الاستنجاد في طيات الحدوتة... وبدأت تتمتم اللحن ... واضعة والدي -الذي تقمص دور الحكواتي تلك الليلة- على المسار الصحيح.
مع أنني كنت قد قرأت "بنتَ التاجر" مرات عديدة في ذلك الكتاب الذي كانَ قد أصر على شرائي له قبل سنة في باب العامود, الا أنني فشلتُ تماما في فهم معظم المسميات التي تذخر بها صفحاته..
وأدهشني كوني أرى والدي وجدتي يطوفان في عالمهما الأفتراضي الخاص البعيد عن الذوبان الصيفي في تلك الدوامة الروتينية القبيحة المليئة بالأضواء.
كانت تلك مرة من مرات قليلة, نجحتُ فيها برؤية والدي بعيني نفسهِ... قريبا من التين ومن ساحة العين...
كلمات هذه القصة, ورغمَ كونها تتمحور حول غول من زمنٍ ما... وقتل وذبح... نجحت بطريقة غريبة متناقضة في بعث هالة من الأمان حولَ الجميع... واستطاعت بخفة..جذب الانتباه من صحن القطايف ومن ذلك المسلسل الرمضاني المليء بفراغ قيمي ديني صارخ...
الممتع في الأمر... أن الكلمات بدت وكأنها تصدر من فم هذه المسنة الطفولي...لا من فمِ والدي.
ربما كان هذا صحيحا... فقبل كل شيء.. هي كانت..تلك البطلة الأسطورية في قصة تعيش في طيات الماضي وتحاول بين الفينة والأخرى العومَ الى سكونِ الحاضر...فتأنفَ كل شيء.. وتعود الى هناك.. حيثُ ستُقابَل بأكثر من تحليلات نفسية تمنع روايتها للأطفال.